/ الحرب والسلام

الحرب والسلام في نقوش المسند

استعراض تاريخي لمفهوم الحرب والسلام بالاستناد على النقش CIH 315

تكمن أهمية التاريخ بأنه ذاكرة الأمم والشعوب التي تختزن ماضيها وتنقل أحداثها للأجيال عبر العديد من الوسائل أهمها النقوش القديمه فهي السجل المسطور والارشيف الناطق والشاهد الحي على الأحداث التاريخيه القديمة ، وقد أكد الفلاسفة بأن أي أمـة لا تعرف تاريخها لا تحسن فهم حاضرها وصياغة مستقبلها، ويقال بأن من لا يقرأ الماضي لن يفهم الحاضر ولن يستطيع التخطيط للمستقبل، وقد أظهرت لنا نقوش المسند اليمني صدق هذه العبارات ..
ففي العقد الثاني من القرن الثاني الميلادي ، اندلعت شرارة الحروب عندما عـمَّ الساحة اليمنية صراع سياسي كانت بدايته تقريباً في 120ميلادية ، وكان من نتائجه نشوب معارك طاحنة مخلفة الدمار والخراب "بنفس الشكل الذي تمـر فيه اليمن حالياً " وكأنَّ التاريخ يعيد نفسه من جديد ، ولهذا نؤكد بأنه من الأهمية أن ننظر للماضي نظرة فيها العضه والعبرة لنستفيد منها في صنع الحاضر والتخطيط للمستقبل ..
عموماً .. القارئ الكريم يطالع في هذا المقام موضوع يتحدث عن صراعات الحكام اليمنيين القدماء مستعرضين بشكل مختصر مـا احتوته بعض النقوش المسندية لنتعرف بأن من أهم أسباب الحروب السعي للسلطة والتربع على العرش ، وأن السلام خيار استراتيجي لا بد منه مهما طال أمد الحروب ومن الطبيعي أن الازدهار والنماء لا يكون إلا في ظل السلام عندما ينعم الوطن والمواطن بالاستقرار ..
وفي البداية يتوجب علينا الإشارة بأن أهم أسباب تفجر الصراع السياسي في اليمن القديم سقوط - إنتهاء حكم الأسرة التقليدية في مملكة سبـأ (أي الملوك ورثة العرش أباً عن جد) وتطلع الأقيال الطامحين للحكم والسيطرة على العرش الشاغر ، هذا والمطَّلع على تاريخنا القديم يعرف بأن آخر الملوك الشرعيين من ورثة العرش هم الملك كرب إل بيِّن وابنائه نشأ كرب يُهأمن وشقيقه يُهاقـم . (بافقيه2007: 99)
والذين بوفاتهم ظهـر ما عرف عند الباحثين بعصر الملوك الأقيال فالقيل لقب - منصب اجتماعي لزعيم القبيلة أي انه مثل مفهوم شيخ المشائخ حالياً (إن صح التعبير)
هؤلاء الاقيال بعد سقوط - انتهاء عصر الأسرة التقليدية سيطروا على زمام الأمر وهم الذين تحدث عنهم الهمداني في الاكليل قائلاً : وكانت أقوالها تكون في كل عصر ثمانين قيلاً من وجوه حمير وكهلان فإذا حدث بالملك حدث كانوا الذين يقيمون القائم من بعده ويعقدون له العهد وكان قيام المُلك من قدماء حمير عن إجماع رأي كهلان وفي الحديث عن رأي أقوال حمير فقط وكانوا إذا لم يرتضوا بخلف الملك تراضوا لخيرهم وأدخلوا مكانه رجلاً ممن يلحق بدرجة الأقوال فيتم الثمانين قيلا ولم يكن هذا في حمير إلا مرات يسيرة لأن الملك لم يكن يعدو آل الرائش إلا أن يتوفى الملك وأولاده صغارًا أو يكل فيفعل ذلك حتى يتدبر في سواه من آل الرائش . (الهمداني2004 :104)
معنى هذا الكلام أن الأقيال هم من ينصب الملك حيث يقومون باختيار أفضلهم لتولي الحكم ، هنا وعلى الرغم من الصورة الديمقراطية في الاختيار الشبيه بالانتخاب إلا أن التدخل المباشر في عملية إنتقال السلطة لأحد الأقيال ينعكس على استقرار الدولة في حالة لم يتفق الأقيال أنفسهم على من يتولى الحكم منهم ، وخاصة أن عملية إنتقال السلطة كانت لا تتم وفق قاعدة ثابته متفق عليها سلفاً مثل النظام القانوني أو الدستور أو غير ذلك من المسميات ..
وفي الحقيقة أن الاختلاف بين الأقيال أدى إلى ظهور أكثر من قيل مطالباً بأحقيته بالحكم بل ووصل الأمر إلى حدوث صدامات بين الطامحين للحكم ،ولعبت التحالفات دوراً في تأجيج الخلاف إذ صاحب الاختلاف اتساع نطاق التحالفات حتى خارج إطــار مملكة سبـأ لتشمل ممالك حمير وحضرموت وقتبان وحينما اندلعت الحروب بين أطراف الصراع تمدد لظى سعيرها ليشمل أبرز الممالك اليمنية التي كانت تحكم الأرض اليمنية حينها وهي :
مملكة سبـأ في الشمال والشمال الشرقي وعاصمتها مارب ( قصر سلحين )
مملكة ذي ريدان - الحميريين في الوسط والجنوب الغربي وعاصمتها ظفار ( قصر ريدان )
مملكة حضرموت في الجنوب والشرق وعاصمتهـا شبوة ( قصر شُقَر ) ..
وكانت بدايـة أعنف الحروب بين أطراف الصراع تلك الحروب التي اندلعت تقريباً سنة 141 ميلادية بحسب ما نفهمه من النقش MAFRAY-Sāriʿ 6 الذي تحدث فيه القيل وهب إل يحوز من معاهر وذي خولان قيل ردمان وخولان بن عم يدع من معاهر وذي خولان بأنه قام بإعادة ترميم بئر الماء المسمى تشبَّاع في وادي سريع بأرض مدينة وعلان إثـر الحرب التي كانت بالسنة الثانية والسبعين ((Robin and Bāfaqīh 1981: 73-76
طبعاً هذا النقش مؤرخ سنة 72 بتقويم أرض ردمان الموافق 141 ميلادية ، وإذا ما عدنا للبحث في نقوش السبئية التي تذكر هذه الحرب نجد بأنها حدثت عقب إستلام القيل سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد للحكم في سبـأ حيث قـادا هجوماً عسكرياً كبيراً على القتبانيين والحضارم حلفاء الحميريين وحدثت معارك كثيرة وثقهـا النقش ZI 57 الذي تحدث فيه القيل مرثد وابنه ذرحان أشوع بني جراف أقيال قبائل يهبعل بأنهم أهدوا المقه ثهوان رب أوام تمثال مذهب حمداً لما سلَّم عبده ذرحان الجرافي عندما ذهبوا مع الحملة العسكرية التي قادها سادتهم سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد ملكي سبـأ وذي ريدان بني إل شرح يحضب ملك سبـأ وذي ريدان ، فتوجهوا نحو أرض ردمـان للحرب التي اشعلها وهب إل بن معاهر ذي خولان ومعه حضرموت وقتبان وردمان ومضحي وكل الناس الذين حالفوهم ضد ملوك سبـأ ، ووصلوا الى مدينة وعلان وتواجهوا مع يدع إل ملك حضرموت وحضرموت ونبط ملك قتبان وقتبان ووهب إل بن معاهر الخولاني وذي أصبح ومضحي وكل الذين كانوا معهم ، وحمد مرثد وذرحان الجرافي قوة ومقام إلمقه لما وفق سيديهم سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد ملكي سبـأ بتدمير وتشتيت كل مقاتلي يدع إل ملك حضرموت ووهب إل بن معاهر وجميع مؤيديهم ، كما يذكر معارك أخرى دارت رحاها في تمنع ووادي مرخه بشبوة ومعارك بصنعاء والرحبة ، وفي نهاية النقش يقدم مرثد الجرافي الشكر لقبيلته فيشان وبني الجرافي والقيل روح إل من ذرانح والقيل شريح من بتع والقيل يردع من سأران والقيل إل ريام من سخيم والقيل يريم من همدان ، كما يحمد الآلهة التي حفظته في كل تلك المعارك ...الخ (عنان1976 :348-353)
وللتوضيح : هذا النقش يتحدث عن خوض الملك سعد شمس حرباً ضد شعوب قتبان وحضرموت وردمان ومضحي حلفاء الحميريين الذين كانوا يخوضون حرباً شعواء بقيادة الملك ذمار علي يُهَبِّر بن الملك ياسر يُهصدق الذي اشتعل في عهده الصراع بين السبئيين والحميريين وعندما تولى ابنه الملك ذمار الحكم استمرت الحروب التي كانت سجالاً بين الطرفين ، ففي تلك المعركة انتصر السبئيين على حلفـاء الحميريين لكن الحروب لم تنتهي بل ازدادت وانتشر سعيرهــا على كل الاراضي اليمنية فتضررت كافة المناطق والقبائل بما فيها تلك المدن والقبائل التي كانت أراضيها بعيدة عن خطوط المواجهات وانتشرت الأوبئة والامراض وتلوثت مياه الآبار حسب ما ورد بالنقش MAFRAY-al-Ḥijla 1 الذي تحدث فيه تـُبـَّع يهعان قائلاً بأنه بنى منزله يراع بخريف السنة الخامسة والثمانين بعد الآفة التي كانت بمدينتهم جرو ، ومدينة جرو أصابتها آفات بسنة إحدى وثمانين ، كما حفر وبنى في أرشاش وأحافي يوم حدثت الحرب بين ملك سبأ وذي ريدان وملك حضرموت وملك قتبان ويوم حدثت العدوى بكل الأرض وبكل آبـار وادي مهار ، إل حي ، تقيان ، سهامي ، وعند بئري حشية وتهام ، وبنى مخازن حبوب وخضروات وغلال وطعام .. ((Robin 1992 c: 219-224
هذا النقش يعتبر أصدق وصف للنتائج الكارثية للحرب الشاملة التي اندلعت بين كل الممالك اليمنية القديمة سنـة 81 بتقويم أرض ردمان الموافق 150 ميلادية ، ولذلك كان لزاماً أن يبزغ بارق السلام لتخف المعاناة ويلتقط الناس أنفاسهم من تلك الحروب التي كما يقال أكلت الأخضـر واليـابس ..
وتشاء الأقدار أن يتدخل القيل يريم أيمن الهمداني عبر وساطـة بين الاطراف المتحاربة سعيـاً لإيقاف الحرب ، ونجح يريم بالتوسط وتم توقيع صلح - معاهدة سـلام وثقها النقش CIH 315 الذي يمكن وصفــه بأقدم وثيقة تاريخية تحدثت عن الحرب والسلام ، ولأهمية هذا النقش يتوجب علينا إستعراض النص وشرح المحتوى سريعاً ، ومن ثم سوف نستكمل استعراض الأحداث التالية لنعرف كيف اشتعلت الحروب مجدداً وما هي الاسباب التي أدت للسلام الحقيقي ..
نص النقش CIH 315

  1. ي ر م / أ ي م ن / و ب ر ج / ي هـ ر ح ب / [ ب ن ي / أ و س ل ت / ر ف ش ن / ب ن / هـ ]
  2. م د ن / أ ق و ل / ش ع ب ن / س م ع ي / ث ل ث ن / ح ش د م / [ هـ ق ن ي و / ش ي ]
  3. م هـ م و / ت ا ل ب / ر ي م م / ب ع ل / ت ر ع ت / س ث ت ن / ا ص ل م ن /
  4. ي و م / هـ و ش ع هـ م و / ش ي م هـ م و / ت ا ل ب / ر ي م م / ب ع ل / ت ر ع
  5. ت / ب هـ س ل م ن / و ض م د / و أ ت م / ي ر م / أ ي م ن / ب ن / هـ م د ن /
  6. ب ي ن / أ م ل ك / س ب أ / و ذ ر ي د ن / و ح ض ر م و ت / و ق ت ب ن /
  7. و أ خ م س هـ م و / و أ ش ع ب هـ م و / ب ض ر / ش ت أ / و ك و ن / ب ك ل /
  8. أ ر ض ن / ب ي ن / ك ل / أ م ل ك ن / و أ خ م س هـ م و / و ت ق ن ع / ي ر م / أ
  9. ي م ن / ب ن / هـ م د ن / أ م ر أ هـ و / أ م ل ك ن / س ب أ / و ب ن ي / ذ ر
  10. ي د ن / و س أ ر / أ م ل ك ن / ل هـ و ت / س ل م ن / و هـ س ل م / و أ ت
  11. م / ي ر م / ب ي ن / أ م ل ك ن / و أ خ م س ن / ب م ل أ / و م ع د / و و ش
  12. ع ن / ش ي م هـ م و / ت أ ل ب / ر ي م م / و هـ ث ب و / ي ر م / أ ي م ن /
  13. و ب ر ج / ي هـ ر ح ب / ب ن ي / أ و س ل ت / ر ف ش ن / ب ن / هـ م د ن
  14. ت أ م ن م / ل خ ي ل / و م ق م / ش ي م هـ م و / ت أ ل ب / ر ي م م /
  15. ب ع ل / ت ر ع ت / ب ذ ت / هـ و ش ع هـ م و / ب هـ و ت / س ل م ن / ب خ ر ف
  16. ث و ب ن / ب ن / س ع د م / ب ن / ي هـ سَ ح م / و ب ذ ت / ص د ق
  17. هـ م و / ك ل / أ م ل أ / س ت م ل أ / ب ع م هـ و / و ل
  18. ذ ت / ي ز أ ن / ص د ق هـ م و / أ م ل ا هـ م و / و ل / س ع د هـ م
  19. و / ح ظ ي / و ر ض و / أ م ر أ هـ م و / أ م ل ك ن / س ب أ / و ل / و
  20. ز أ / ت أ ل ب / ب ر ي ن / أ أ ذ ن هـ م و / و م ق ي م ت هـ
  21. م و / و ل / ث ب ر / و و ض ع / و ض ر ع ن / ت أ ل ب / ر ي م م /
  22. ب ع ل / ت ر ع ت / ك ل / ض ر هـ م و / و ش ن أ هـ م و / ب ت أ ل ب
  23. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ر ي م م ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المعنى :
    يريم أيمن وبارج يُهَرحِب بني أوسلة رفشان من همدان أقيال شعب سمعي ثُلثي حاشد أهدوا حاميهم تألب ريام رب (معبد) ترعة ستة تماثيل حمداً وشكراً يوم أعانهم تألب في تحقيق السلام والصلح عندما إستطاع يريم أيمن الهمداني التوفيق بين ملوك سبـأ وملوك ذي ريدان وملوك حضرموت وملوك قتبان وجيوشهم وقبائلهم لإيقاف وإنهاء الحرب التي اشتعلت بكل الأراضي بين كل الملوك وجيوشهم وقبائلهم ، و إستطاع يريم أيمن يرضي ويقنع ملوك سبـأ وملوك بني ذي ريدان وسائر الملوك بهذا السلم والصلح والهدنة ، وقد أتم يريم أيمن الصلح بين الملوك والجيوش بفضل إنعام وتوفيق تألب ريام صاحب الفضل والإنعام والقوة والمقام العالي إلههم الحامي تألب ريام الذي أعان ووفق يريم أيمن وبارج يهرحب بني أوسلة رفشان من همدان لهذا السلام وتوقيع الصلح المؤرخ بسنة ثوبان بن سعد بن يهسحم ، وحمداً على هذا الفضل والإنعام وليستمر بإنعامه وفضله بإسعادهم في حيازتهم على حظوة ورضى سادتهم ملوك سبـأ وليستمر تألب بمنحهم الصحة والقوة والمقام العالي وليدمر ويذل تألب ريام رب (معبد) ترعة كل أعدائهم الحاقدين عليهم (بقداسة) تألب ريام .. (Solá1964: 50-51)
    كما طالعنا آنفاً استطاع القيل يريم أيمن إيقاف الحرب (مؤقتاً) عبر معاهدة السلام وكان من نتائجها تولي الملك ذمار علي يُهَبِّر حكم مملكة سبـأ وذي ريدان ، وحينها وصــل الملك ذمار وابنه ثــأران إلى مارب العاصمة التاريخية لمملكة سبـأ وتربعــا على عرش الحكم في قصـر سِلحين محققين بذلك انتصــاراً كبيراً لطالمــا كان يحلم به الحميريين ، ومن هناك بـاشـرا العهد الجديد فقـاما ببعض الإصلاحات في سـد مـارب حسب ما وثقه النقش RES 4775 الذي تحدث فيه الملك ذمار علي يُهَبِّـر بن ياسر يهصدق وابنه ثأران ملكي سبـأ وذي ريدان قائلين بأنهما قاما بإجراء ترميمات وإصلاحات للحوض المسمى ذي أمر الكائن في الناحية اليسرى وذلك لحماية شعب سبأ من الكوارث التي كانت سوف تدمر المنطقة فيما لو تهدم الحوض ، بقداسة الآلهة عثتر والمقه وليل وسم يدع والشمس حامية ملوك سبأ وبني ذي ريدان وبقوة مواليهم سبـأ وذي ذهبان (Höfner 1938: 15-16)
    وهكذا بات من الواضح أن السلام جلب معه الرخاء والازدهار لكن للأسف هذا السلام لم يستمر طويلاً فقد طالعتنا نقوش تحدثت عن اندلاع الحروب مجدداً بين طرفي الصراع وسبب اندلاعها بحسب ما يراه الكثير من الباحثين الانقلاب الذي قاده القيل وهب إل يُحَوِّز بالتعاون مع يريم أيمن صاحب الوساطــة ؟!
    وكان من نتائج الانقلاب وقوف بعض أقيال سبـأ مع الملك ذمار علي يُهَبِّـر ضد الملك وهب إل يُحَوِّز ومنهم الملك السابق سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد الذين يبدو أنهما كانا تواقين للسلام حالهما حال أغلب أبناء اليمن حينها ، فأعلن انضمامه الى صف الحميريين وشارك في معركة وثقهـا النقش GL 1228 الذي يتحدث فيه القائد سعد تألب قائلاً بأنه أهدى تألب ريام تمثال مذهب حمداً على سلامته من المعارك التي رافق فيها سيده الملك وهب إل يُحَوِّز ملك سبـأ عندما حارب ذمار علي ذي ريدان و سعد شمس ومرثد وشعوب ذي ريدان وشعوب سعد شمس وابنه مرثد ويشكر الآلهة على سلامته في الحروب كما يشكر قبائل مخطران وبني سخيم وخولان التي رافقت الملك وهب إل يُحَوِّز في تلك الحروب ...الخ (Glaser1963: 26-30)
    وبهذا فقد السبئيين مقولة بني ذي جُـرة التي كانت تحت قيالة سعد شمس وهي منطقة جغرافية كبيرة في جنوب العاصمة صنعاء مركزها حالياً مدينة نعض شرق نقيل يسلح وتمتد جنوباً إلى جهران في ذمار وشمالاً الى العاصمة صنعاء ،
    أي أن سلطة الملك وهب إل يُحَوِّز انحصرت على المنطقة الجغرافية الواقعة شمال وشمال شرق العاصمة صنعاء ، ولهذا حمل لقب ملك سبـأ فقط ورغم ذلك لـم ينعم بالراحة إذ اشتعلت الحروب بضراوة أكثر من ذي قبل ..
    وقد نقل لنــا النقش Ir 9 صورة قاتمة ومأساوية للوضع حينها ، فهذا النقش تحدث فيه القائد نشأ كرب ذي محلة قائلاً بأنه أهدى المقه تمثال مذهب حمداً وشكراً على انعامه لما سلَّم ونجى عبده نشأ كرب وابنه وهب أوام من الشرور والحروب التي حدثت في عام معدي كرب بن نشأ كرب بن فضاح ، وحمداً لأنه أعاده بسلام من مارب في العام الذي تسلم فيه سيدهم وهـب إل يُحَوِّز الحكم في سلحين عقب تلك الحروب والشرور كما يذكر نشأ كرب مشاركته في معركة ضد الحميريين في الرحبة ويشكر الآلهة على عودتهم بالسلامة الى مارب ...الخ (الارياني1990: 87- 92)
    منطقة الرحبة التي خاض فيها القائد نشأ كرب معركة تقع تقريباً بالقرب من جبل الصمع في منطقة أرحب حالياً ، وهذا يعني أن سلطة وهـب إل يُحَوِّز كانت تقتصر على مارب وأراضي سمعي التابعـة ليريم أيمن فقط ..
    هذا وبعد وفاة الملك وهـب إل يُحَوِّز تولى الحكم ابنه كرب إل يُهَنعِم ومن ثم شقيقه أنمار يُهأمن وقد شاركهما بالحكم القيل يريم أيمن بحسب ما ورد بالنقش ZI 5 الذي تحدث فيه راثد ثوان أزاد وهوف عثتر يُهَشِّع ووهب أوام وسعد ثوَّان بني جدن يتحدثون فيه بأنهم أهدوا إلمقه تمثال حمداً وشكراً على الأفضال والنعم التي منحهم إياها إلمقه بالحملات العسكرية التي شاركوا فيها بأمر حكامهم ملوك سبـأ ويطلبون منحهم الرضى والحظوة عند سادتهم أيمن يريم وأخيه كرب إل وتر ملوك سبأ ...الخ (عنان 1976 : 163- 165)
    هذا النقش يذكر بكل صراحة أن أيمن يريم أصبح شريكاً في الحكم مع كرب إل وتر وقد إستطاع يريم أيمن بطريقة أو بأخرى الانفراد بالحكم ومن ثم توريث عرش سبـأ لابنه علهان نهفان والذي بدوره أورثه لأبنائه حيو عثتر يوَضِّع وشـاعر أوتر ويبدو أن فترة حكم الملك يريم أيمن لم تكن طويلة فالنقوش التي تعود إلى عهده قليله جداً ..
    وبعد أن تولى الحكم إبنه الملك علهان نهفان أظهرت النقوش بأن وضع اليمن لم يستقر حيث استمرت الحروب في عهده مما جعله يسعى للتحالف مع عدة أطراف ليضمن الحماية والقوة لدرجة أنه قام بتزويج إبنته ملاك على الملك يدع أب غيلان ملك حضرموت وكان الهدف من المصاهرة عدم تحالف ملوك حضرموت مع الحميريين ، أيضاً قام بعقد إتفاقية دفاع مشترك مع ملك أكسوم جدروة الذي حكم تقريباً ما بين 200 - 220م وهذه كانت من أفدح الأخطاء التي ارتكبها الملك علهان ونقلها إلينا النقش CIH 308 الذي تحدث فيه الملك علهان نهفان بأنه أهدى 30 تمثال مذهب للمعبود تألب ريام كما قام بترميم معبد إلمقه حمداً للآلهة على إنعامها في الحصول على حصاد جيد وكذلك توفيقها في عقد إتفاقية مع ( جَدْوَرَةْ ملك أكسوم تقضي بالتعاون بين الطرفين أيام السلم والحرب وأن الإعتداء على أحدهما يعتبر اعتداء على الطرفين ومحاربة كل عدو يريد شراً بأحدهما وأن الاتفاقية بين قصر سلحين (رمز حكم سبأ) وقصر زراران (رمز حكم أكسوم) استكمالاً للتحالف المبرم من قبل مع يدع أب غيلان ملك حضرموت ، كما يذكر بالنقش حروبه ضد بني ذي ريدان وقبائل أخرى ممن كانت على خلاف معه وغير ذلك من الأحداث ..(Beeston 1937: 26-33)
    هنا تتوجب الإشارة بأن الحميريين كانوا بالفعل قد استطاعوا اكتساح اغلب الاراضي اليمنية وعندما لم يلمس علهان نهفان أي دعم في تلك الحرب من زوج ابنته وصهره الملك يدع أب غيلان الذي ربما كان يرى بأنها شأن داخلي في سبـأ ، سارع للارتماء بأحضان الأحباش حتى انه أهدى الآلهة 30 تمثال دفعة واحدة فرحاً وسروراً بوضع اليمن تحت الهيمنة الخارجية متجاهلاً أنه بهذا التصرف منح الأحباش فرصة على طبق ذهبي للتدخل في شؤون اليمن الداخلية ، بل وكانت بداية حروب أخرى خاضها اليمنيين ضد الأحباش بعد موت علهان مباشرة واستمرت تلك الحروب المتقطعة طوال ما يقارب 300 عام وقعت فيها اليمن تحت الاحتلال الحبشي مرتين الاولى عــام 350م أثنـاء حكم عيزان بن علي أميدا ملك أكسوم ، واستمر حينها الاحتلال حوالي 10 سنوات والمرَّة الأخرى عـام 525م ..
    علماً بأن تلك الاتفاقية مع الأحباش نسفها الملك شاعر أوتر بن الملك علهان نهفان كما جاء في النقش Ir 12 الذي تحدث فيه القائد وافي أذرح قائلاً أنه أهدى إلمقه تمثالين مذهبين حمداً وشكراً على صدور قرار سيده الملك شاعر أوتر القاضي بتعيينه قائداً للقوات المرابطة في حدود حاشد أثناء الحرب مع الأحباش ومن معهم من قبائل السواهر وخولان الجديدة ، ويذكر وافي أذرح بأنه أقام التحصينات العسكرية على طول حدود حاشد كما يتحدث عن صدور قرار يقضي بتوليه منصب قيادة فرقة خاصة من الجيش لمحاربة الأحباش ويذكر القتلى والأسرى والغنائم في تلك المعارك ...الخ
    (الارياني1990 :100- 108)
    أيضاً التحالف الذي أقامه الملك علهان مع ملك حضرموت إنتهى بحرب شنها الملك شاعر أوتر ضد الملك إل عز يلط وهذه الحادثة نقلها لنا النقش Ir 13 الذي يتحدث فيه القائد فارع الكوكباني قائلاً بأنه أهدى إلمقه تماثيل مذهبة من غنائم المعارك في شبوة وقدمها حمداً على سلامته في الحروب التي شنها سيده الملك شاعر أوتر على إل عز يلط ملك حضرموت ، كما تحدث عن معارك دارت رحاها في الغيل وأرض قتبان ضد قبائل ردمان وأوسان ويشكر الآلهة على الثقة التي نالها عندما صدر قراراً بتعيينه قائداً لحراسة قصر شقر الذي تقيم فيه سيدته (ملاك أحلك) أخت الملك شاعر أوتر واستمر في حراسة الحصن 15 يوم ويذكر عودته بالسلامة مع سيده شاعر أوتر ويشكر الآلهة على سلامته في كل المعارك والحروب ...الخ (الارياني1990 :109- 122)
    الملاحظ هنا أنه وعلى الرغم من أن الملك شاعر أوتر كان مشاركاً في الحكم مع والده والاتفاقية مع الأحباش تم توقيعها عندما كان هو (ولياً للعهد) إلا أنه أدرك خطأ والده ، أو ربما كان أكثر وطنية من والده فبمجرد توليه للحكم شن حروباً شاملة على الأحباش كما شن حروب أخرى في سبيل استقرار اليمن والتي شهدت بالفعل فترة من الاستقرار ،
    هذا وقد شكلت جهود ومعارك الملك شاعر أوتر مقدمة للسلام الحقيقي الذي انهى الحروب الداخلية التي ذاق فيها اليمنيين الويلات مما جعلهم يشعرون بأهمية السلام بعد حروب استمرت ما يزيد عن 200 عـــام كانت نهايتها على يد الملك شمَّر يُهَرعِش عندما وحَّد التراب اليمني تقريباً عـام 380 ميلادية تحت حكم مركزي أصبح ملك اليمن يحمل فيه لقب ملك سبـأ وذي ريدان وحضرموت ويمانة ،
    وإذا مــا أردنا استعراض الأحداث التاريخية من زمن الملك شـاعـر أوتر إلى زمن الملك شمَّر يُهَرعِش فسوف يطول الموضوع كثيراً ، لكن بإذن الله سوف نتناوله مستقبلاً في مقال آخر ..
    والله الموفق ،،

معمـر محمد سلام الشرجبي
باحث في التاريخ اليمني القديم
M.Shrgbi@gmail.com

المراجـع والمصــادر
أولاً المراجع العربية:
1- الارياني، مطهر1990م، نقوش مسندية وتعليقات، مركز الدراسات والبحوث، صنعاء، ط 2
2- الحميري، نشوان بن سعيد (ت 573هـ /1177م)1976، ملوك حمير وأقيال اليمن، تحقيق علي بن اسماعيل المؤيد واسماعيل بن احمد الجرافي، دار العودة - بيروت ط 2
3- الهمداني، أبو محمد الحسن (ت ٣٦٠هـ/٩٧٠م) 2004، الإكليل الجزء الثاني، تحقيق محمد بن علي الأكوع، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة - صنعاء .
4- بافقيه، محمد عبدالقادر2007م، توحيد اليمن القديم، الصراع بين سبأ وحمير وحضرموت من القرن الأول الى القرن الثالث الميلادي، المعهد الفرنسي للآثار- صنعاء، الصندوق الاجتماعي للتنمية، ط 1
5- عنان، زيد بن علي1976م، تاريخ حضارة اليمن القديم، المطبعة السلفية، القاهرة، ط 1
ثانياً المراجع الأجنبية:
1- (Beeston 1937: 26-33)
Beeston, Alfred F.L. 1937. Sabaean inscriptions. Oxford.
2- (Glaser1963: 26-30)
Sammlung, Eduard, Glaser IV : J.M Sola Sole, Inschriften aus RIYAM, 1963
3- (Höfner 1938: 15-16)
Höfner, Maria 1938. Die Inschriften aus Glaser Tagebuch XI (Mārib). Wiener Zeitschrift für die Kunde des Morgenlandes, 45: 7-37.
4-(Robin and Bāfaqīh 1981: 73-76)
Robin, Christian J. and Bāfaqīh, Muḥammad ʿA. 1981. Deux nouvelles inscriptions de Radmān datant du IIe siècle de l'ère chrétienne. Raydān, 4: 67- 87.
5- (Robin 1992 c: 219-224)
Robin, Christian J. 1992. Guerre et épidémie dans les royaumes d'Arabie du Sud. Comptes Rendus de l'Académie des Inscriptions et Belles Lettres: 219-224.
6- (Solá1964: 50-51)
Solá Solé, Josep M. 1964. Inschriften aus Riyām. Sammlung Eduard Glaser. 4. (Sitzungsberichte der Österreichische Akademie der Wissenschaften. Philosophisch-historische Klasse, 243/4). Vienna: Böhlaus.
ثالثاً اختصارات النقوش:
مجموعة النقوش السامية -النقوش الحميرية والسبئية
Corpus Inscriptionum Semiticarum Pars quarta : Inscriptiones himyariticas et sabaeas continens
CIH
مجموعة نقوش مطهر الإرياني
IR
مجموعة نقوش إدوارد جلازر
Gl
مجموعة نقوش البعثة الفرنسية
MAFRAY
دليل النقوش الساميــة
(المدونة الفرنسية ربتوار)
Répertoire d’épigraphie sémitique, 1900-1968, publié par la Comminssion du Corpus Inscriptionum Semiticarum, Paris
RES
مجموعة نقوش زيد عنان
ZI

أوام

أوام

مجلة إلكترونية يمنية تعنى بالعلوم، الفلسفة، والثقافة. احد مشاريع مبادرة الباحثون اليمنيون.

اقرأ المزيد